الفيض الكاشاني

364

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

بدنه حتّى بدت الأضلاع وغارت العينان فأبدل اللَّه له من ذلك قوّة في بدنه وشدّة في عقله وما ذخر له في الآخرة أكثر ، فارفض الدّنيا فإنّ حبّ الدّنيا يعمي ويصم ويبكم ويذلّ الرّقاب فتدارك ما بقي من عمرك ولا تقل : غدا وبعد غد فإنّما هلك من كان قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتّى أتاهم أمر اللَّه بغتة وهم غافلون فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيّقة وقد أسلمهم الأولاد والأهلون فانقطع إلى اللَّه بقلب منيب من رفض الدّنيا وعزم ( 1 ) ليس فيه انكسار ولا انجزال ( 2 ) أعاننا اللَّه وإيّاك على طاعته ووفقنا وإيّاك لمرضاته » ( 3 ) . وعن أبي جعفر عليه السّلام قال : « قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام : إنّ الدّنيا قد ارتحلت مدبرة وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلة ، ولكلّ واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا ، ألا وكونوا من الزّاهدين في الدّنيا الرّاغبين في الآخرة ، ألا إنّ الزّاهدين في الدّنيا اتّخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا وقرّضوا من الدّنيا تقريضا ( 4 ) ، ألا ومن اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النّار رجع عن المحرّمات ، ومن زهد في الدّنيا هانت عليه المصائب ، ألا إنّ للَّه عبادا كمن رأى أهل الجنّة في الجنّة مخلَّدين وكمن رأى أهل النار في النار معذّبين شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة أنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أيّاما قليلة فصاروا بعقبى ( 5 ) راحة طويلة ، أمّا اللَّيل فصافّون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم وهم يجأرون إلى ربّهم ( 6 ) يسعون في فكاك رقابهم ، وأمّا النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنّهم القداح قد براهم الخوف من العبادة [ 1 ] ينظر إليهم الناظر فيقول :

--> ( 1 ) عطف على « قلب » . ( 2 ) الانجزال : الانقطاع . ( 3 ) الكافي ج 2 ص 136 . ( 4 ) القرض القطع أي قطعوا أنفسهم من الدنيا تقطيعا باقلاع قلوبهم عنها ( الوافي ) . ( 5 ) كذا وفي فقه الرضا « فصارت لهم العقبى » . ( 6 ) أي يتضرعون ، جأر إلى اللَّه أي تضرع . [ 1 ] القداح - بالكسر - : السهم بلا ريش ولا نصل ، شبههم في نحافة أبدانهم بالأسهم ، ثم ذكر ما يستعمل في السهم أعني البري وهو النحت « من العبادة » أي من كثرتها ان تعلق بقوله : « كأنهم القداح » أو من قلتها ان تعلق بالخوف ( الوافي ) .